منذ سنوات ونحن نسمع العبارة الشهيرة:
"البيانات هي النفط الجديد."
لكن كلما فكرت في هذه العبارة أكثر، كلما شعرت أنها لم تعد تصف الواقع بالكامل.
لأن النفط له مالك واضح.
أما البيانات؟
فالأمر أكثر تعقيدًا.
مليارات البشر يكتبون ويبحثون ويتفاعلون وينشرون المحتوى يوميًا. هذه البيانات أصبحت الوقود الأساسي للذكاء الاصطناعي، ومع ذلك فإن معظم الأشخاص الذين ساهموا في إنتاج هذا الوقود لا يعرفون حتى أين تنتهي مساهماتهم أو كيف يتم استخدام قيمتها الاقتصادية.
وهنا بدأ اهتمامي بمشاريع مثل OpenLedger.
ليس بسبب الضجة المحيطة بالذكاء الاصطناعي، بل بسبب السؤال الذي تحاول هذه المشاريع الإجابة عنه:
كيف يمكن بناء اقتصاد للذكاء الاصطناعي تكون فيه البيانات والمساهمات قابلة للتتبع والتقدير؟
إذا نظرنا إلى تاريخ التكنولوجيا سنجد أن كل ثورة تقنية خلقت أصلًا اقتصاديًا جديدًا.
في الثورة الصناعية كانت الطاقة.
في عصر الإنترنت كانت المعلومات.
وفي عصر منصات التواصل أصبحت الانتباه (Attention) سلعة بحد ذاتها.
أما في عصر الذكاء الاصطناعي فقد تصبح البيانات عالية الجودة هي الأصل الأكثر أهمية.
لكن هناك مشكلة.
ليست كل البيانات متساوية.
فالذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى كمية فقط، بل يحتاج إلى جودة وموثوقية وسياق.
ومع ازدياد اعتماد الأنظمة الذكية على البيانات، يصبح السؤال أكثر أهمية:
كيف يمكن التحقق من مصدر البيانات؟
كيف يمكن قياس مساهمة المشاركين؟
وكيف يمكن ربط القيمة الاقتصادية بالمساهمة الفعلية؟
هذه ليست مجرد أسئلة تقنية.
بل أسئلة اقتصادية بامتياز.
لأن أي اقتصاد ناجح يحتاج إلى آلية واضحة تحدد كيف تُنشأ القيمة وكيف تُوزع.
في الاقتصاد التقليدي لدينا قوانين وعقود ومؤسسات.
أما في اقتصاد الذكاء الاصطناعي فما زالت هذه القواعد في طور التشكيل.
وهنا تظهر أهمية البنية التحتية.
الكثير من المستثمرين يركزون على التطبيقات النهائية لأنها الأكثر وضوحًا.
لكن التاريخ يعلمنا أن البنية التحتية غالبًا ما تكون أكثر استدامة من التطبيقات نفسها.
الجميع يتذكر مواقع الإنترنت الشهيرة، لكن قليلًا من الناس كانوا يتحدثون في البداية عن الخوادم ومراكز البيانات والبروتوكولات التي جعلت الإنترنت ممكنًا.
ومع ذلك، كانت تلك البنية هي الأساس الحقيقي للنمو.
أشعر أن الذكاء الاصطناعي قد يمر بمرحلة مشابهة.
اليوم الجميع يتحدث عن النماذج والروبوتات والوكلاء الأذكياء.
لكن ماذا عن الأنظمة التي ستربط بين هذه العناصر؟
ماذا عن طبقات الثقة؟
ماذا عن آليات الإسناد Attribution؟
ماذا عن توزيع القيمة بين المشاركين؟
هذه الأسئلة قد تصبح أكثر أهمية كلما توسع اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
تخيل مستقبلًا يوجد فيه ملايين الوكلاء الأذكياء.
بعضهم يجمع البيانات.
بعضهم يحللها.
بعضهم يقدم خدمات متخصصة.
وبعضهم يتخذ قرارات اقتصادية بشكل شبه مستقل.
في هذه البيئة لن تكون المشكلة هي نقص الذكاء.
بل نقص الثقة.
كيف نعرف أن البيانات أصلية؟
كيف نعرف أن النتائج موثوقة؟
كيف نعرف من يستحق المكافأة؟
وكيف يمكن بناء اقتصاد يعمل على نطاق عالمي دون الحاجة إلى طرف مركزي يتحكم بكل شيء؟
هذه الأسئلة هي ما يجعلني أعتقد أن مشاريع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد تلعب دورًا مهمًا خلال السنوات القادمة.
ليس لأنها تقدم الإجابات النهائية.
بل لأنها تحاول بناء الأدوات التي قد تجعل هذه الإجابات ممكنة.
الأمر المثير للاهتمام هو أن السوق غالبًا ما يبالغ في تقدير ما يمكن أن يحدث خلال سنة، ويقلل من تقدير ما يمكن أن يحدث خلال عشر سنوات.
قبل عقد من الزمن كان من الصعب تخيل أن البيانات ستصبح أحد أهم الأصول في العالم.
واليوم أصبح ذلك حقيقة.
لذلك أتساءل أحيانًا:
هل سننظر بعد عشر سنوات إلى مساهمات البيانات بالطريقة نفسها التي ننظر بها اليوم إلى الملكية الرقمية؟
هل ستصبح البيانات أصلًا اقتصاديًا له حقوق وقيمة واضحة؟
وهل ستنشأ أنظمة جديدة تسمح بربط المساهمات الفردية بالقيمة التي يتم إنشاؤها؟
لا أملك الإجابة.
لكنني أعتقد أن هذه الأسئلة تستحق المتابعة.
ولهذا أجد نفسي أراقب مشاريع مثل OpenLedger باهتمام.
ليس لأنها تعد بالثراء السريع.
وليس لأنها تمتلك أكبر ضجة إعلامية.
بل لأنها تعمل في منطقة أعتقد أنها ستكون من أكثر المناطق أهمية في اقتصاد الذكاء الاصطناعي القادم.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم هو:
"ما هو أذكى نموذج؟"
بل:
"ما هو النظام القادر على تحويل الذكاء إلى اقتصاد مستدام؟"
وربما تبدأ الإجابة من البنية التحتية قبل أي شيء آخر.